محمد بن عمر التونسي

317

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

ولقد كنت في سوق نمليه في غير رؤية الجبل « 1 » ، ومسكت « 2 » بيدي الفلفل وصرت أعبث به ، ثم هبّت ريح فقذيت عيناي ، فدعكتهما ( 292 ) بيدي ، ونسيت أمر الفلفل ، فتألمت ألما عظيما ، وألتهبتا « 3 » في الحال وورمتا « 4 » ، فركبت وسافرت فلم أقدر على الركوب من شدّة الألم . فدخلت في بلدة وبتّ عند امرأة عجوز فيها ، فلم أكتحل بنوم ، وبتّ بأقبح ليلة ، وانقلب الجفنان وغلظا ، حتى خشيت على عينىّ من العمى ، وصرت لا أعرف ما ينقذنى من ذلك . فلما أصبح الصباح جاءتني عجوز ونظرت عينىّ ، وتوجعت لي ، ثم قالت : هذا أمر سهل . ثم دعت بابنة لها صغيرة ، تكاد أن تكون ابنة سبع سنين أو ثمانية ، وقالت لها بلغة الفور : اذهبي إلى أسفل الجبل ، وائتينى بأوراق من النبات المسمّى : دقرة . فذهبت الصبية وغابت قليلا ، ثم جاءت ومعها أوراق كثيرة ، فأخذتها العجوز ودقّت بعضها بين حجرين ، حتى صار كالعجين . وأمرت بفتح عيني ومسك يدي ، ثم عصرت في عينىّ من عصارة النّبات المذكور ، فنزل في عينىّ باردا ، ثم ابتدأ يأكل بغير ألم ، حتى كأنما في عينىّ دود ، وأريد أدعكهما بيدىّ فلا أستطيع ، للضّبط علىّ ، فعانيت من ذلك مشقّة حتى اضمحلّ الأكلان ، وجاءني النوم فنمت ، واستغرقت في نومى مدة عظيمة ، فلم أفق إلّا قرب العصر ، فأحسست في عينىّ خفة وذهب الألم . ولما كان من الليل جاءت وعصرت لي من تلك العصارة ، وبتّ بأنعم ليلة . وفي ( 293 ) الصباح عصرت لي منها أيضا ، فانفتحت عيناي

--> ( 1 ) يقصد بذلك أنه لم يكن وقتذاك في زيارة لجبل مرة بل كان في زيارة خاصة لسوق نمليه . Voyage au Darfour , p . 229 . ( 2 ) كذا ( 3 و 4 ) في الأصل : والتهبا . . . وورما .